فصل: تفسير الآيات (30- 40):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.تفسير الآيات (27- 29):

{وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (29)}.
التفسير:
قوله تعالى: {وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ}.
مناسبة هذه الآية لما قبلها، هي أن الآيات السابقة، قد ذكرت داود عليه السلام، وأشارت إلى أن شيئا ما، من العدوان على غيره، قد وقع منه.
وأنه- وقد كان خليفة اللّه في الأرض- فإن اللّه سبحانه لم يدعه يذهب بما فعل، بل أوقفه موقف الحساب والمساءلة، وبعث إليه من يهجم عليه وهو في محراب ملكه، وعلى كرسى سلطانه، وأن يجد نفسه بين هذين الخصمين اللذين تسوّرا عليه محرابه، وآتياه من عل، وهو في قبضة الفزع والاضطراب، لا يجد من قوة سلطانه شيئا يردّ عنه ما حلّ به. إنه قصاص للرعية، وبيد الرعية، من هذا الراعي.. وهذا حسابه مع الناس. أما حسابه مع اللّه، فقد أدى ثمن هذا العدوان، بكاء وعويلا، وسهرا طويلا.
هكذا سنة اللّه في خلقه، وحكمه بين عباده، فكما لا يظلمهم ربّهم شيئا، كذلك جعل الظلم محرّما بينهم، فمن ظلم اقتصّ اللّه له من ظالمه، في الدنيا وفى الآخرة. وفى الحديث القدسي: «يا عبادى حرّمت الظلم على نفسى، وقد حرمته عليكم.. فلا تظالموا».
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [60: الحج].
وعلى هذا نجد الصلة وثيقة بين قوله تعالى: {وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} وبين الآيات السابقة عليها، التي تضمنت هذه القضية التي وضع فيها نبىّ من أنبياء اللّه موضع المحاسبة والمساءلة على ما كان منه من عدوان على أحد رعاياه.. فاللّه سبحانه وتعالى خلق السموات والأرض وما بينهما بالحق، وأقامهما على ميزاته، ولم يخلقهما باطلا، حتى يسمح للباطل أن يسكن إليهما، ويعيش فيهما.. بل إن الحق ليمسك بكل ذرة من ذرات هذا الوجود، وإنه ليس في كائنات الوجود من ينحرف عن طريق الحق إلّا الإنسان، لماله من إرادة، تصدر عن تفكير وتقدير.
وهذا الانحراف، لا يدوم أبدا.. فما هي إلا لحظة عابرة من لحظات الزمن الأبدى، يضطرب فيها ميزان العدل بين الناس، ثم يعود هذا الميزان إلى توازنه، فيوفّى كلّ إنسان جزاء عمله يوم الجزاء: {لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ} [17: غافر].
وقوله تعالى: {ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} الإشارة هنا إلى خلق السموات والأرض وما بينهما، أي أن اللّه سبحانه ما خلق السموات والأرض وما بينهما باطلا، ولكن الذين كفروا لا يؤمنون بهذه الحقيقة، بل يعيشون في أوهام وظنون وراء هذا الحق الذي تنطق به آيات اللّه.. فلو كانوا يؤمنون باللّه لآمنوا بهذه الحقيقة، ولا ستيقنوا أن اللّه هو الحق، وأن الحق لا يكون من صنعته إلا ما هو حق، وأنهم إذا ظلموا لن يتركوا وشأنهم، بل سيحاسبون ويعاقبون، وفى كفرهم باللّه ظلم عظيم، يلقون عليه أشد العذاب.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ}.
قوله تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} أي أحسب الذين كفروا أننا نسوى بين الأخيار والأشرار، وأن نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات، كالمفسدين في الأرض، الذين كفروا باللّه، وعصوا رسله، وآذوا خلقه؟ ذلك ما لا يتفق مع الحق الذي أقام اللّه عليه خلقه، والذي به خلق السموات والأرض.
قوله تعالى: {كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ} أي هذا كتاب أنزلناه إليك {مبارك} أي فيه البركة التي تنال كل من يلقاه، ويتلقى منه الحكمة والموعظة الحسنة، فيتدبر آياته، ويستضيء بأضوائه ويهتدى بهديه.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها.. أن الآيتين السابقتين عليها كانتا بيانا لحقيقة هذا الوجود، وأنه قائم على ميزان الحق والعدل، وأن الذين ينحرفون عن طريق الحق والعدل سيلقون سوء العذاب.. وهذه الآية، هي دعوة إلى كل من يلتمس طريق الحق، ويطلب النجاة لنفسه من عذاب اللّه.
وليس غير كتاب اللّه هاديا يهدى إلى الحق.. فمن التمس الهدى في غيره ضلّ، ومن جاوز حدوده هلك.

.تفسير الآيات (30- 40):

{وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (31) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (32) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (33) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ (34) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ (36) وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (38) هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (40)}.
التفسير:
سليمان.. وشمسه.. والجسد الملقى على كرسيّه:
قوله تعالى: {وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} الواو للاستئناف، وعطف حدث على حدث.. أو هي للعطف على قوله تعالى: {فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ}.
أي فغفرنا لداود ما كان منه، ووهبنا له سليمان.. ويكون ما بين المتعاطفين اعتراضا، يراد به التعقيب على القصة، والإلفات إليها، والوقوف موقف التأمل عندها.
وأيّاما كان، فإن ذكر سليمان هنا، وأنه مما وهبه اللّه لداود، هو مما يشير إلى فضل اللّه سبحانه، وإحسانه إلى عبده داود، بعد خطيئته، واستغفاره وندمه، وقبول اللّه توبته. وهكذا يبتلى اللّه سبحانه المصطفين من عباده بما يبتليهم به من مكروه، ثم يخرجهم من هذا المكروه، أصفى جوهرا، وأضوأ نورا، وأكثر إشراقا وألقا. وأن سليمان هذا، إنما هو هبة من هبات اللّه العظيمة، وعطاء من عطاياه الجليلة المسوقة إلى عبد من عباده المحسنين، بعد هذا الابتلاء العظيم، وبعد تلك المحنة القاسية.
وفى قوله تعالى: {نِعْمَ الْعَبْدُ} ثناء عظيم من المولى سبحانه وتعالى، على سليمان، وعلى داود أيضا، إذ كان ذلك الابن هبة له من ربه.
وقوله تعالى: {إِنَّهُ أَوَّابٌ} إشارة إلى أنه كثير الأوب والرجوع إلى اللّه وأنه مع الملك العظيم الذي جعله اللّه بين يديه، كان على صلة وثيقة بربه.
فلم يقطعه الملك عن ذكر ربه، بل إنه كلما كانت له نظرة إلى ملكه كانت له إلى ربه نظرات.
وفى وصف سليمان بالصفة التي وصف بها أبوه داود، وهى الأواب إشارة إلى أنهما على درجة واحدة من الاتصال بربهم، والرجوع إليه دائما.
ثم إنه إشارة أخرى إلى أن سليمان سيقع منه ما وقع لأبيه من فتنة وابتلاء، ثم من استغفار وندم، ثم من توبة وقبول من اللّه، وعطاء جزل عظيم، بعد هذا القبول والرضا من رب العالمين.
قوله تعالى: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ}.
{إذ} ظرف يبيّن حالا من أحوال سليمان في أوبه إلى اللّه.. أي ومن أو به إلى اللّه ورجوعه إليه، موقفه هذا الذي كان منه حين عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد.
والصافنات: الخيل الواقفة على ثلاث قواتم، على حين تكون الرابعة قائمة على حرف الحافر.. وهذا من علامات الكرم والأصالة في الخيل.. أما ذوات الحافر الأخرى، كالحمير والخيل غير الكريمة، فإنها تقف على قوائمها الأربعة، متمكنة من الأرض على سواء.. يقول عمرو بن كلثوم في معلقته، يصف كرام الخيل التي يقتنونها، ويحاربون عليها:
وسيّد معشر قد توّجوه ** بتاج الملك يحمى المحجرينا

تركنا الخيل عاكفة عليه ** مقلّدة أعنتها صفونا

والجياد: جمع جواد، وهو اسم غلب على الذكر من الخيل.. وأصله من الجودة.. والخير: هو الخيل.. وتسمى الخيل خيرا، لأنها مظهر من مظاهر النعمة، حيث لا يملكها إلا أصحاب الثراء والجاه، فحيث كانت الخيل كان الخير معها.. وفى الحديث: «الخيل معقود بنواصيها الخير» والآيتان الكريمان تحدثان عن حال من أحوال سليمان، وموقفه من الاشتغال بملكه وذكره لربه.
فهو- عليه السلام- إذ يستعرض الخيل، كبعض من سلطانه الذي بين يديه، أو كنعمة من نعم الملك الذي آتاه اللّه- إنه إذ يفعل هذا، وإذ يرى كثرة هذه الخيل المجراة بين يديه، بسرجها، ولجمها، يستعظم هذه النعمة، ويرى أنها شيء كثير، ما كان له أن يستكثر منه إلى هذا الحد، وأن يحفل به إلى هذا المدى، وأنه لو استكثر من ذكر اللّه، وأعطى لهذا الذكر ذلك المجهود الذي بذله، في انتقاء هذه الخيل، وفى استجلاب كرائمها من كل أفق- لو أنه فعل هذا لكان أولى، وأجدى.
ولهذا، فإنه عليه السلام، ما إن يرى هذه الخيل تطلع عليه في جمالها وروائها وروعة منظرها، حتى يلقى نفسه بهذا اللوم: {إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي}! أي لقد آثرت حبّ الخير الدنيوي، على ذكر ربّى.. فهذا الحب للخيل، هو شهوة متمكنة في النفس، وهو فتنة من فتن الدنيا، كما يقول سبحانه: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}.
وللخيل في ذاتها شهوة كشهوة المال، ولها في النفوس موقع لا يعرفه إلا من عرف الخيل وشغف بها، وخاصة في حياة البادية، التي ترى الخيل فيها وجها من وجوه الجمال والحسن، في هذه المواقع المجدبة المكفهرة التي لا يلمح فيها الحسن إلا لمحات خاطفة.
وهذا ما تحدثنا به الحياة العربية- وخاصة في الجاهلية- وما كان للخيل فيها من علقة بالنفوس، وهوى في الأفئدة، حتى لقد عرفت الخيل بأسمائها، كما يعرف الأبطال، ومشاهير الفرسان. وحتى لقد كان للخيل أنساب كأنساب القبائل والعشائر، وحتى لقد وسعت اللغة العربية من الكلمات في أوصاف الخيل، وفى وصف كل عضو من أعضائها، وكل شية من شياتها- ما لم يكن يجتمع لشيء آخر غيرها من حيوان أو إنسان.. ولهذه العناية العظيمة بشأن الخيل عند العرب والاحتفاء بها، كان ذلك النتاج العربي من كرائم الخيل وأصائلها، والتي لا تزال محتفظة بمكانها فيه، فوق عالم الخيل إلى اليوم.
وفى الشعر العربي ديوان كبير، يتمدح فيه الشعراء بالخيل، ويتغنون بها، ويكشفون عن مشاعرها، وأحاسيسها في الحرب، وفى السلم.. كما نرى في شعر عنترة، وعمرو بن كلثوم، وامرئ القيس.. وغيرهم.
يروى أن عربيا كان يملك فرسا اسمها سكاب وكانت من كرائم، الخيل.. وقد سامه أحد أصحاب السلطان أن يشتريها منه، أو أن يهبها له، إن ضنّ يبيعها، وارتفع بقدرها عن أن تنزل منازل السلع، فلم يجد العربي بدّا من أن يدفع هذا المكروه، متلطفا متوسلا بقصيدة يقول فيها:
أبيت اللّعن إن سكاب علق ** نفيس لا يعار ولا يباع

مفدّاة مكرمّة علينا نجاع ** لها العيال ولا تجاع!

فحبّ سليمان عليه السلام للخيل، هو من هذا الحبّ، خاصة وهو مولود في بيت ملك، تربّى من صغره على الفروسية.
ونعود إلى القصة فنقول: إن سليمان- عليه السلام- إذ يقول هذا القول:
{إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي}.
إنما هو مراودة بينه وبين نفسه، وخاطر من خطرات اللوم يدفع بها الزهو والعجب عنه، وهو مواجهة هذه الفتنة، ثم هو مع هذا يمضى فيما هو فيه، ولا يقطع مراسم هذا الحفل العظيم الذي احتشد له رؤساء القوم وسادتهم في هذا الاستعراض العظيم لجيشه مشاة وفرسانا.. وإنه لا بأس من أن يمضى فيما هو فيه الآن، ثم ليكن له بعد هذا حساب مع نفسه، وتدبير فيما يكون منه في شأن هذه الخيل وغيرها، مما يشغل منه وقتا يقطعه فترات عن ذكر اللّه، بالاشتغال بهذا المتاع.
وهكذا ظل- عليه السلام- يستعرض الخيل، حتى دخل الظلام، فتوارت عن نظره بالحجاب، أي حجاب الظلام.. فلم يعد يرى ملامحها، ويتحقق من شياتها، وما ينكشف لعينيه من أعضائها، التي تعطى الصفة الملاءمة لكل جواد منها.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ} أي أنه- عليه السلام- ما زال ينظر إليها، ويستعرض بعينه تناسب أعضائها، وتناسق ينائها، حتى توارت عنه بهذا الحجاب الذي أرخاه الليل عليها، إذ أن عرضها عليه قد كان في أخريات النهار، كما يقول اللّه تعالى: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ}.
هذا، ولم يكن- عليه السلام- قد فرغ من الأمر الذي قصد إليه من هذا العرض للخيل، وهذا هو حجاب الظلام يحول بينه وبين تفرسها بعينيه، إذ كان العرض في أخريات النهار بالعشي.. فماذا يفعل؟
لقد أراد القائمون على أمر هذا الاستعراض من حاشيته، أن يؤجّلوا ذلك إلى يوم آخر، وأن يذهبوا ببقية الخيل التي لم تعرض إلى مرابطها.. وربما همّ الرجال بهذا فعلا، بل وربما مضوا في تنفيذه- بعد أخذ موافقته ضرورة- ولكن سرعان ما بدا له أن ينتهى من هذا الاستعراض في مجلسه هذا، حتى لا يعود إلى هذه الفتنة من غد.. فقال وقد أخذت الخيل طريقها إلى مرابطها: {ردّوها علىّ} فلما ردت إليه، أخذ يتحسسها سريعا بيديه، بالمسح بيديه على سوقها وأعناقها {فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ}.
وأعراف الخيل، وأرجلها- وخاصة سيقانها- هي المواضع التي تنمّ عنها، وتحدّث عن مكانها من الأصالة والجودة.. وفى هذا يقول امرؤ القيس في وصف جواده:
له أيطلا ظبى وساقا نعامة ** وإرخاء سرحان وتقريب تتفل

والأيطل: الكفل، وهو أعلى الفخذ، والسرحان الذئب، والتتفل: ولد الظبى.
فامرؤ القيس يصف ساق جواده بالضمور، وعدم الامتلاء، ويشبهه بساق النعامة في دقته، وتجرده من اللحم. على حين يشبّه كفله بكفل الظبى في الامتلاء باللحم..!
ونلخص مضمون القصة فنقول:
إن سليمان- عليه السلام- استعرض ما يملك من خيل، وكان ذلك في أخريات النهار، فلما طلعت عليه، هالته كثرتها، وكثرة ما تتزين به من سروج وقلائد، ولجم، فوقع في نفسه، أن هذا حصيلة جهد كبير، بذله في هذا الوجه، وأنه كان الأولى به أن يصرف جهده هذا في ذكر اللّه.
وقد حدثته نفسه أن يردّ الخيل على أعقابها، وأن يلغى هذا الاحتفال، ولكن وجد أن ذلك قد يثير كثيرا من الأقاويل والشائعات، وأنه ربما يبلغ أعداءه عنه أنه انصرف عن اقتناء الخيل أو زهد فيها، وهى أقوى عدد الحرب يومئذ، فتحدثهم أنفسهم بحربه، ويجدون الجرأة على قتاله، فرأى لهذا أو لغيره أن يمضى فيما هو فيه، وكان الليل قد أرخى حجابه قبل أن يفرغ من استعراض الخيل، وكان من التدبير أن يؤجل بقية العرض إلى يوم آخر، ولكنه- لأمر دبره لنفسه- رأى أن يفرغ من هذا العرض، وأن يستعمل يديه في التعرف على الجياد من هذه الخيل، وذلك بإمرار يديه على المواضع التي تدل على الجودة أو الرداءة منها، كل ذلك في سرعة نراها في قوله تعالى: {فَطَفِقَ} الذي يدل على الاستمرار مع التدفق والجريان للفعل.
أما الأمر الذي دبره سليمان عليه السلام في نفسه بإنهاء هذا العرض في هذا المجلس، فهو أن يأخذ نفسه بسياسة غير تلك السياسة التي كان يصرف فيها هذا الجهد باقتناء الخيل، والاحتفاء بها، وأن يجعل ذكر اللّه همّه وأن يفرغ فيه جهده، وأن يستغفر لما كان منه من تقصير أو تفريط في جانب ذكره لربه.
هذه هي قصة الخيل.. ولها ذيول سنعرض لها فيما بعد.. بعد أن نفرغ من قصة الكرسي والجسد الملقى عليه.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ}.
هذه الآية هي إشارة إلى هذه الفتنة التي فتن بها سليمان، وهو اشتغاله بهذا المتاع من الخيل، وحشد هذا الجهد منه ومن حاشيته، ورعيته في سبيله.
ففى قوله تعالى: {وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً} إشارة إلى أن اللّه سبحانه وتعالى قد فتنه بهذا المتاع الكثير، الذي ساقه إليه.. وأن هذا المتاع كان عبئا ثقيلا على {كرسيه} أي سلطانه، الذي كان ينبغى أن يكون مكان النبوة فيه أبرز وأظهر من مقام الملك.. وهذا هو السر في كلمة {جسدا} الذي يمثل المتاع الدنيوي الذي يضمه هذا الملك.. إن كرسى سليمان قد ثقل فيه ميزان الملك، وكاد يجور على المكان الذي ينبغى أن يكون للنبوة فيه، الحظّ الأوفر، والنصيب الأوفى!.
ويجوز أن يكون قوله تعالى: {وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً} بمعنى وألقيناه على كرسيه جسدا، فيكون جسدا حال، بمعنى كائنا جسدا.. على حين أن روحه قد زايله في تلك الحال، فرأى- من عالم روحه- وجوده الجسدى قائما على الكرسي، ملتصقا به.. وهذا ما يعرف في الروحية الحديثة باسم الطرح الروحي حيث تستطيع بعض الأرواح أن تنفصل عن أجسادها في حال اليقظة، فيرى الإنسان بروحه عوالم كثيرة بعيدة، ويشهد من وراء حجب المادة الكثيفة ما يشهده عن قرب وعيان.. ومما يشهده في حاله تلك، وجوده الجسدى.
وقد يكون سليمان- عليه السلام- رأى في حال من أحوال الطرح الروحي، ذاته الجسدية على كرسى ملكه، على حين رأى ذاته الروحية بعيدة عن هذا الكرسي، فأنكر مقامه على هذا الكرسي وهو على تلك الحال التي انفصلت فيها أو كادت تنفصل عنه النبوة!.
ولقد لفتنى إلى هذا المعنى الأستاذ العالم الأديب محمد شاهين حمزة، الذي ينفق من ذخائر علمه ويسعى بها إلى طلاب العلم، حاملا عنهم مشقة الطلب والسعى.. فجزاء اللّه عن العلم وأهله خير ما يجزى العالمين العاملين.
وفى قوله تعالى: {ثُمَّ أَنابَ} إشارة إلى معطوف عليه محذوف.
تقديره: فشغل سليمان وقتا ما بهذا المتاع أي (الجسد) الذي ألقى على كرسيه.. {ثم أناب}.
أي رجع إلى ربه، وصحح هذا الوضع الذي صار إليه {كرسيه}.
فأفسح للنبوة فيه مكانها، وأعطاها كل حقها.
واقرأ الآية الكريمة: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ}.
تجد مفهوما واضحا لكلمات اللّه على هذا التأويل الذي تأولناها عليه.
ثم تجد للعطف بثم مكانا مكينا في الآية، حيث أن هذه الإنابة قد جاءت متراخية زمنا ما، كان لابد منها لجمع هذه الأعداد الكثيرة من أصائل الخيل وجيادها، وما يتصل بها من عدد وفرسان.
قوله تعالى: {قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}.
هو بيان لإنابة سليمان إلى ربه، وأن إنابته هي قوله: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}.
ولهذا لم يفصل بين الفعلين {أناب} {وقال} بفاصل ما، من حرف عطف، أو نحوه.
وقد قرن سليمان في إنابته إلى اللّه سبحانه- قرن طلب المغفرة بهبة هذا الملك الذي لا يكون لأحد من بعده! وفى هذا ما يشير في وضوح إلى أن ما طلبه من أن يهب اللّه له هذا الملك الذي لا ينبغى لأحد من بعده- فيه إشارة واضحة إلى أن هذا هو ما يصحح إنابته إلى ربه، ويجعلها إنابة سليمة، خالية من كل معوق يعوقها عن اللّه! فكيف هذا؟ وهل بهذا الملك العجيب الذي لا يملكه أحد من بعده يكون أقرب إلى اللّه منه وهو على كرسى ملكه الذي هبت عليه منه ريح الفتنة؟
وهل كان ما كان منه من اشتغال- أكثر مما ينبغى- عن ذكر ربّه، إلا من الملك، وسلطان الملك وما يحف به من شهوات؟
فكيف يكون طلب هذا الملك الذي لم يكن لأحد غيره- إنابة ورجوعا إلى اللّه، وتخففا من الاشتغال بالملك؟
ندع هذا الآن.. وننظر فيما أجاب به اللّه سبحانه وتعالى هذا الطلب.
يقول اللّه تعالى: {فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ} هذا هو ما أجاب به اللّه سبحانه، سليمان فيما سأل.. وقد جاءت الإجابة في غير مهل.. دعاء فإجابة.. وهذا يدل على ذلك الرضا العظيم من اللّه سبحانه عند عن هذا الذي أقبل عليه بقلب سليم، منيبا إليه، طامعا في رحمته ومغفرته! ولابد من وقفة هنا:
فأولا: لقد أقام اللّه سبحانه سليمان في منصب الملك، كما أقامه في منصب النبوة.. فهو- بتكليف من اللّه سبحانه- ملك ونبىّ معا.
وثانيا: لقد جرب سليمان الحياة مع الملك والنبوة، فوجد سلطان الملك يكاد يطغى على مقام النبوة.. ولقد رأى رأى العين كيف شغلته الخيل عن أن يؤدى للنبوة حقها، وأن يذكر اللّه ذكر الأنبياء، ووقف من نفسه موقف اللائم المؤنب، فيقول لها: {إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي}! وثالثا: بعد هذا العرض للخيل الذي رأى فيه سليمان وجه الفتنة كالحا مخيفا، يهجم على نبوته ويكاد يحتويها، رأى في هذا الملك خطرا يتهدد نبوّته إن هو ظل قائما عليه، ممسكا به، ثم رأى- من جهة أخرى- أنه ملك من قبل اللّه، كما هو نبىّ من عند اللّه، وأنه لا سبيل له أن يخلى يده من هذا الملك.
إنه ملك ونبىّ معا.
ورابعا: لابد إذن أن يكون سليمان ملكا، وقد رأى ما يسوق إليه الملك من فتنة.. فليكن إذن ملكا، ولكن ليكن هذا الملك على صورة غير هذا الملك الذي تجيء منه الفتن.!
وخامسا: في طلب سليمان تغيير صفة هذا الملك، نراه يقول: {هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي}.
إنه ملك، ولكنه على غير ما يملك الملوك، مما على هذه الأرض.. إنه ملك لا تجيء منه هذه الفتن التي، لا يملك دفعها الملوك، حتى الأنبياء..!
وأين هذا الملك الذي يكون على هذه الصفة؟.
إن سليمان لا يعرفه، ولهذا طلب إلى اللّه سبحانه أن يهبه إياه، وهو سبحانه لا يعجزه شيء، وهو سبحانه {وهاب} لا تقف هبانه عند حدود أو قيود! {إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}.
وسادسا: وجاء الملك الذي طلب سليمان!: {فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ}.
هذا هو ملك سليمان الجديد.. وهو ملك عجيب حقا.. إنه ليس جسدا. وليس فيه من عالم الجسد شيء.. ريح يمتطيها كما يمتطى الخيل.، وهى مطاياه التي أقامها اللّه سبحانه وتعالى له مقام الخيل بعد أن زهد فيها، وصرف نفسه عنها ابتغاء مرضاة اللّه.. فكان الجزاء الحسن من جنس العمل الحسن.. أضعافا مضاعفة.
ثم كان جنود من عالم الجن، يعملون له بدلا من عالم الإنس..!
وإذن فلا التفات إلى الخيل، وما يتصل بها.. ولا التفات إلى الناس، وإلى ما قد يقع عليهم من ظلم، فيما يقيم به دعائم الملك، من قلاع، وحصون، وقصور!.
فالريح تنقله إلى حيث يشاء، بلا خدم، ولا حشم، ولا حرس.
والجن.. {يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ}!!
وبهذا خرج سليمان من سلطان هذا الملك الذي يفتن به الملوك، وقام على ملك لا تخلص إليه منه فتنة..!! أو بمعنى آخر، لقد صفّى ملكه من تلك الشوائب التي تجيء منها الفتن، بما وضع اللّه سبحانه وتعالى في يديه من قوّى يستغنى بها عما يكلف به الملوك رعاياهم، وما يحملونهم عليه من أمور، يحققون بها أبّهة سلطانهم، ويقيمون عليها عظمة ملكهم، فيكون الظلم والقهر والاستبداد.
هذه هي قصة سليمان، على هذا التأويل الذي تأولنا عليه آيات اللّه، التي عرضت لهذه القصة.. وهو تأويل، نرجو أن يكون- بتوفيق اللّه- أقرب إلى الصواب، وأدنى إلى موقع الحق.. فإننا لم نر أحدا من المفسرين- فيما بين أيدينا من أمهات كتب التفسير- قد تأول الآيات هذا التأويل، وأقامها على هذا الوجه.
وإنه لا بأس من أن نعرض هنا بعضا من وجوه التأويل التي ذهب إليها المفسرون، حتى ينكشف وجه الخلاف، ويكون للناظر في تفسيرنا هذا أن يأخذ به، أو يأخذ ما يشاء من تلك المقولات:
فأولا: يذهب أكثر المفسرين لقوله تعالى: {حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ} يذهبون إلى أن الضمير في {توارت} يعود إلى الشمس، وأن سليمان عليه السلام، شغل باستعراض الخيل، حتى توارت الشمس في مغربها.. فلما غربت الشمس تنبه إلى أن وقت الصلاة قد فاته، فوقع في نفسه الندم على هذا التفريط في جنب اللّه، وقال ناعيا على نفسه هذا الذي كان منه: {إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ}!! ثم يختلف المفسّرون بعد هذا فى: هل كانت هذه الخيل خيل زينة، فيكون سليمان بهذا مقصرا في حق اللّه؟ أم أنها كانت خيلا يعدّها للجهاد في سبيل اللّه، فلا يكون ذلك محل لوم، كما حدث للمسلمين يوم أحد، حين فاتتهم صلاة العصر.
وثانيا: يذهب المفسرون لقوله تعالى: {رُدُّوها عَلَيَّ} إلى أن هذا أمر من سليمان إلى الشمس أن تعود من حيث غربت، فتظهر له على الأفق الغربي من جديد، حتى يؤدى الصلاة التي فاتته، في وقتها.
ثم يختلف المفسرون في هذا الأمر، وهل كان متجها به إلى اللّه، وأن ضمير الجمع للتعظيم، أم أنه أمر اتجه به إلى أعوانه وأتباعه كاللائم لهم أن لم ينبهوه إلى وقت الصلاة، وأن عليهم- وقد قصّروا- أن يعملوا المستحيل لإصلاح ما أفسدوا، وأن يعيدوا الشمس التي غربت!.
ولا يختلف المفسرون الذين يقولون بأن الضمير في ردوها يعود إلى الشمس- وهم جمهور المفسرين- لا يختلفون في أن الشمس قد ردّت إليه، فظلت على الأفق الغربي حتى أدى الصلاة في وقتها.
ومن المفسرين من ذهب إلى أن الشمس لم تردّ، وإنما حبست، عن أن تغرب، وقد لامست الأفق، فظلت في مكانها حتى أدى الصلاة.
ولهذا تأويلات وتعليلات أكثر من أن تحصر.
ثم إنهم يأتون لعودة الشمس من مغربها، أو إمساكها على الأفق بشواهد لمثل هذا الحدث، في زمن النبوة، وفى غير زمن النبوة-
تساق إليها كثير من الأحاديث والأخبار مسندة إلى ابن عباس وغيره من أعلام الصحابة.
وثالثا: يذهب المفسرون لقوله تعالى: {فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ} إلى أن سليمان بعد أن تنبه إلى مغيب الشمس، وطلب ردها إليه، اتجه إلى الخيل، وأخذ يضرب بالسيف في سوقها وأعناقها، ليكفّر بذلك عن خطيئته في اشتغاله بها حتى فاته وقت الصلاة.
فهذه الخيل هي التي شغلته، وهى التي يجب أن يتخلص منها، وأن يقدمها قربانا للّه يأكل من لحمها الفقراء والمساكين!.
ولم يسأل الآخذون بهذا الرأى أنفسهم: ما ذنب هذه الخيل حتى تلاقى هذا المصير، وهى في موضع الاحتفاء والتكريم؟.
ورابعا: اختلف المفسرون في تأويل قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً}.
فمن قائل، إن سليمان قال لنفسه مرة: لأطوفنّ الليلة على سبعين امرأة من نسائى فيولد لى منهن سبعون ولدا يجاهدون في سبيل اللّه..!! قالوا، ولم يقل إن شاء اللّه، فلم تحمل من نسائه في تلك الليلة غير واحدة، والذي ولدته جاء مسخا، على صورة نصف إنسان، فلما ولد جاءت به القابلة، وسليمان على كرسى مملكته، فوضعته بين يديه!.
والقصة كما ترى- تفضح نفسها بهذا الخبال الصبيانى المريض..!
ومن قائل، إن سليمان دخل الحمام، وكان جنبا- ودائما النساء وما يتصل بالنساء!- فخلع خاتم الملك فأخذه الشيطان، ولبسه، وظهر في صورة سليمان، وجلس على كرسىّ المملكة، واتصل بنسائه، وسليمان ينادى في الناس معلنا أنه سليمان، فلا يصدّقه أحد، حتى زوجاته.. وقد ظل سليمان هكذا زمنا لا يجد مكانا يؤويه، أو لقمة عيش يتبلغ بها، وهو دائب التوبة والاستغفار؟؟؟ قالوا، وكان الشيطان قد خاف أن يقبل اللّه توبة سليمان، وأن يعيد إليه الملك، فأمسك بالخاتم ورمى به في البحر.
قالوا، ولما قبل اللّه توبة سليمان، وأراد ردّ ملكه إليه، دفع به إلى شاطئ البحر، فاصطاد سمكة فلما شقّ بطنها وجد خاتمه.. فلبسه، وعاد إلى ما كان عليه..!!
ثم تمضى القصة فتقول: إن سليمان أخذ هذا الشيطان فحبسه في قمقم، ثم ختم عليه بالرصاص وألقاه في البحر.. فهو في هذا القمقم إلى يوم الدين!.
وهذه القصة أيضا أكثر من سابقتها سخافة وسذاجة، وتناقضا، وفسادا، في كل حدث من أحداثها.
وهكذا تمضى الروايات حول تأويل هذا الجسد الذي ألقى على كرسى سليمان، وكلها من هذا العالم الخرافى، الذي لا مكان فيه للعقل، أو المنطق، إذ كل ما ينبت، في هذا العالم هو أطياف وأشباح، يموج بعضها في بعض، ويضرب بعضها وجه بعض!!.